فخر الدين الرازي
77
تفسير الرازي
البتة ، ثم إن الكثير من أهل هذا المذهب يحتجون على صحته بقوله تعالى : * ( وما قدروا الله حق قدره ) * أي وما عرفوا الله حق معرفته ، وهذا الاستدلال بعيد ، لأنه تعالى ذكر هذه اللفظة في القرآن في ثلاثة مواضع ، وكلها وردت في حق الكفار فههنا ورد في حق اليهود أو كفار مكة ، وكذا القول في الموضعين الآخرين ، وحينئذ لا يبقى في هذا الاستدلال فائدة . والله أعلم . المسألة الخامسة : في هذه الآية أحكام . الحكم الأول أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم ، والدليل عليه هذه الآية فإن قوله : * ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) * نكرة في موضع النفي ، فلو لم تفد العموم لما كان قوله تعالى : * ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) * إبطالاً له ، ونقضاً عليه ، ولو لم يكن كذلك لفسد هذا الاستدلال ، ولما كان ذلك باطلاً ، ثبت أن النكرة في موضع النفي تعم . والله أعلم . الحكم الثاني النقض يقدح في صحة الكلام ، وذلك لأنه تعالى نقض قولهم : * ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) * بقوله : * ( قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ) * فلو لم يدل النقض على فساد الكلام لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب . واعلم أن قول من يقول : إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقص مبطلاً ضعيف ، إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة الله في هذه الآية لأن اليهودي كان يقول معجزات موسى أظهر ، وأبهر من معجزاتك ، فلم يلزم من إثبات النبوة هناك إثباتها هنا ، ولو كان الفرق مقبولاً لسقطت هذه الحجة ، وحيث لا يجوز القول بسقوطها علمنا أن النقض على الإطلاق مبطل والله أعلم . الحكم الثالث تفلسف الغزالي فزعم أن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وذلك لأن حاصله يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئاً وأحد من البشر ما أنزل الله عليه شيئاً ينتج من الشكل الثاني : أن موسى ما كان من البشر ، وهذا خلف محال ، وليست هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ، ولا بحسب صحة المقدمة الأولى ، فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية ، وهي قولهم : ما أنزل الله على بشر من شيء ، فوجب القول بكونها كاذبة ، فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب ، إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني من الأشكال المنطقية ، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف . والله أعلم .